حكاية إنسان: الجزء التاسع
الشمس قد غابت منذ ساعات ليست بكثيرة و جلست بالقرب من البحر و أرى حولى أضواء خافتة بعضها من مصابيح الإضاءة من خلفنا و أغلبها من هواتفنا.
كنت أجلس برفقة مجموعة كبيرة من الأفراد قلة منهم كانوا أصدقاء مقربين لى و البعض كانوا أصدقاء و الأغلبية أصدقاء الأصدقاء لذا كان البعض منهم معارف و البعض الآخر غرباء تماما و شعرت بداخلى أننى أريد الإنطلاق مثل أصدقائى و لكنى شعرت بنوع من الخجل و الضآلة لذا تراجعت عما بداخلى.
لم تستمر هذه المشاعر طويلا حتى ظهر أحد الشباب من العدم و سألنى "مش مندمجة معانا ليه؟"
فأجبته متعجبة لسؤاله غير المتوقع:
"لأ عادى انا معرفش معظم الناس بس."
- طب يا تتعرفى عليهم، اسمك إيه؟
- خلود.
- جماعة دى خلود معانا هنا و مش مندمجة، يلا اتعرفوا عليها.
فصعقت من المفاجأة و سمعت أصواتهم دون أن انتبه لملامحهم بينما يقولون "أهلا خلود" و "مساء الفل عليكى" و سمعت صوت إحدى صديقاتى المقربين "أحلى مسا على أحلى سمانة" و قهقهت بينما شعرت انا بالحرج و لكنى تناسيت ذلك عندما اندمجت فى الحوار مع هذا الشاب اللطيف الذى أبدى اهتماما و ترك الجميع لنتبادل أطراف الحديث العشوائية عن اهتماماتنا و بعض الأمور الأخرى و لم يقتطع هذا الحديث إلا اتصال هاتفى ورد إليه فترك مجلسه و ذهب ليتحدث و لم يعكر صفو مزاجى إلا أنه أطال الحديث و حتى بعد انتهاؤه لم يعد و انشغل مع الآخرين فعدت إلى صمتى الكئيب.
ما زاد الطين بلة أننى لم أجد ما يشغل وقتى إلا مراقبة الآخرين من حولى و أزعجنى أنه حتى المقربين منى قد انشغلوا عنى بحديثهم مع الآخرين مما جعلنى أشعر بالغيرة، جزء منها لن أنكره و هو الغيرة منهم لكونهم يحظون بوقت سعيد على عكسى و الجزء الأكبر لكونهم قد تركونى لينشغلوا عنى مع من يعدون غرباء بالنسبة لى، شعرت بأن أصدقائى ملكا لى و أن سعادتهم يجب أن تكون متعلقة بى و أكره أن أذكر الأمر على هذا النحو و لكن هذا ما قد شعرت به و حاولت إخفاؤه لئلا أعكر مزاج أى منهم و لئلا يتهموننى بالأنانية لذا قررت الاحتفاظ بالأمر لنفسى و انتظر حتى ينتهى هذا الوقت الكئيب لأعود إلى المنزل.
مر الوقت ببطء كالسلحفاة حتى بدأ الناس يغادرون رويدا رويدا و لم يتبقى إلا انا و صديقاتى و مجموعة شباب من المعارف فقررنا المغادرة و كنا قد اتفقنا على المبيت سويا لذا قررنا التمشى حتى المنزل و فى هذه الأثناء كانت صديقاتى يتبادلن الضحكات و يتحدثون بشأن أمور حدثت اليوم لم ألاحظ أغلبها لذا كنت صامتة حتى وصلنا إلى المنزل.
بعدما غيرنا ملابسنا و تناولنا الطعام سويا فى نفس هذه الأجواء المليئة بالضحكات التى لم استطع أن أشارك بها غمزتنى صديقتى صاحبة الدعابة الساخرة "سمانة" قائلة:
- هتفضلى قالبة بوزك لحد إمتى؟
- انا قالبة بوزى؟
فأجابت أخرى:
- إحنا شوية و هنجيب المسطرة و نقيس طول بوزك، مالك فى إيه؟
فأجابتها الأولى:
- مش محتاجة ذكاوة يعنى باينة يعنى.
فأجبتها بحزم:
-قصدك إيه يعنى؟
فأجابت بنبرة ساخرة:
- الواد الملزق أبو نضارة حلقلك.
فوجدت نفسى استشيط غضبا و أجبتها منفعلة:
- أولا انا بكره الطريقة دى فى الكلام، ثانيا إحنا ماكناش مرتبطين عشان يحلقلى، انا معرفوش أصلا، ثالثا هو مش ملزق.
- أمال مالك محموقة ليه؟
- عشان طريقة كلامك مستفزة.
فجائت الأخرى و حاولت تلطيف الأجواء بيننا و قالت:
- خلاص يا جماعة صلوا عالنبى.
لم أتمالك أعصابى و غادرت إلى غرفة النوم تاركة إياهم و أغلقت الباب خلفى، لكن فى غضون ثوانى قرعت الصديقة الثانية على باب غرفتى و دخلت بدون إذن و قالت:
- معلش هزعج سعادتك بس انا صاحبتك و لازم تستحملينى، متتعوديش عالاحترام ده.
- بس عشان انا مفروسة منها و مش ناقصة سخافة.
- طب مالك يا خلودة إيه اللى مضايقك؟
- محدش فاهمنى.
- طب ما تحاولى تتكلمى يمكن أفهمك.
- ما انا أصلا مش فاهمانى، كان نفسى أبقى زى الناس اللى بتعرف ترتب كلامها و تقول إيه اللى جواها بس انا مبعرفش.
- قولى أى حاجة و انا هترجم معاكى.
- هو ليه الناس مبقاش عندها دم؟ ولا انا اللى حساسة بزيادة؟ هو انا عمرى ما كنت بشوف نفسى حساسة بس انا حاسة الناس بقت جبلات بزيادة، انتوا مثلا سبتونى لوحدى و محدش أخد باله إنى متعكننة، هو انا لازم أشكى و أتكلم عشان تاخدوا بالكم؟
- أيوه بس يا خلود انتى اللى سبتينا و قعدتى بعيد و مرجعتيش ليه تقعدى معانا؟
- ما انا لقيتكم اندمجتوا مع ناس مش صحابى و حسيت كأنى مش موجودة بالنسبالكم.
- يا خلود ما بتتحسبش كده، انتى صاحبتنا و أكيد مش محتاجة أقولك إن مكانك مبيتغيرش جوانا، بس عادى إنه منفضلش لازقين لبعض طول الوقت و عادى إننا ننشغل مع ناس تانى و بعدين انتى فكرك لو جيتى وقفتى معانا هنقولك يلا إمشى؟
- و انا إيه اللى يخلينى آجى و انا أصلا حاسة إنى مش مرحب بيا، و بعدين انا عندى سؤال تانى، هو إحنا لو صحاب مفروض نفتخر ببعض قدام الناس ولا نقل من بعض؟
- عادى يا خلود هى كانت بتهزر معاكى و انتى عارفة إن دى طريقتها و مش قصدها تحرجك بس أهو ده اللى حصل.
- طب سيبك من كل ده، انا ليه حد يقتحم حياتى بدون استئذان و يحسسنى باهتمام و يحسسنى بقيمتى و مرة واحدة يقرر إنه مش عايز يفضل موجود، مفيش حد من حقه يحسس حد بحاجات حلوة كده و يختفى و يسحب معاه كل حاجة حلوة طلعها من جوانا، مفيش حد يستاهل يحس بالدونية اللى انا حسيتها.
- أقولك على حاجة؟ انتى معاكى حق، بس متزعليش، هى دى الحياة.
- و انا مش قابلة الحياة بالشكل ده.
- لأ هتقبليها و رجلك فوق رقبتك أصل انتى مش لوحدك فى الدنيا و يلا قومى عشان انا جعانة و سبت الأكل عشان خاطرك فمتبقيش قليلة الذوق.
عدنا سويا إلى غرفة المعيشة وسط صيحات ساخرة من "الله يسهله" و "العلاقة وصلت لحد فين" و لكنى اندمجت مؤقتا فى أجواء الضحك.
و لكن ها انا أسند ظهرى إلى فراشى فى نهاية اليوم بعد نوم الجميع من حولى و اتسأل هل ستكون الحياة كما هى على حالها؟ هل الطريقة الوحيدة لتقبل الحياة هى التناسى؟ لا أعلم و لكنى لا أريد أن اتغير لأصبح شخصا ليس انا فقط لاتعايش أو بالأجدر اتظاهر بالحياة مثل الجميع من حولى.
بطل القصة: خلود عمران
Comments
Post a Comment