حكاية إنسان: الجزء الثامن

كم أمقت مغادرة المنزل و لكن ظروف دراستى أجبرتنى على السفر أسبوعيا إلى القاهرة، لذا بعدما قامت زوجتى بتحضير حقيبة سفرى ذهبت لأعانق أبنائى و ودعتهم بقلب ثقيل و غادرت المنزل لأركب الميكروباص الذى سيقلنى.
إعتدت القراءة ليس فقط لأقتل الوقت الضائع فى هذه الرحلة البائسة و لكنى لم أرد أن أضيع وقتى هدرا و لم يوجد طريقة أخرى لاستفيد من هذا الوقت سوى بقراءة الكتاب الذى اصطحبته معى.

على عكس المعتاد كنت أنظر للكلمات فى صفحات الكتاب و لكنى كنت شارد الذهن و ذلك لوجود طفلة صغيرة بجانبى تحتضنها أمها و لكنها لم تتوقف عن البكاء بطريقة أزعجت كل الركاب و كنت فى حيرة من أمرى حيث شعرت بالانزعاج و أردت أن ألوم الأم لعدم سيطرتها على الطفلة من ناحية و من ناحية أخرى شعرت بالتعاطف معها و أردت فعل أى شئ لأخفف من حرجها لكونى أب و أعلم ماهية شعورها جيدا.

لم يقتطع هذه الضوضاء إلا ما هو أكثر صخبا و هو صوت الفرامل الذى جعل العجلات تكتسح الأسفلت و صوت صراخ النساء قائلين "يا لهوى" "يا رب" و أسمع أحدهم يتلو الشهادة و تفقد العربة توازنها و فى أقل من لحظة يتحول كل شئ حولى إلى الظلام الحالك و الصمت التام.

-أمجد !
كان الصوت رخيم و عميق و لم أرى أى شئ حولى و سمعت صداه فى الأرجاء مما جعل بدنى يقشعر و أجبت مترددا:
-مين؟
-إنت اللى مين؟
-إحنا هنهزر؟ ما إنت بتنادينى بإسمى.
-جاوب عالسؤال يا ولد.
-ما انا مش فاهم السؤال.
-طب هتفضل لحد إمتى مش فاهم؟
-مين اللى بيتكلم؟

لم يجبنى و لكنى شعرت بدفئ و رأيت ضوء خافت أنار تلك العتمة و سمعت صوت أمى يقول:
-ممكن تبطل أكل قرف من بره؟
-ده طعمه حلو جدا، دوقى كده.
-ولا أدوق ولا بتاع، إنت متعرفش الأكل ده بيتعمل إزاى و بعدين طبيعى بعد كمية التوابل اللى بتتحط عليه يبقى طعمه حلو.
ثم سمعتها و هى تتتلو صلاتها و تذكرنى أمام الله طالبة لى النمو و الحكمة لكى أتقوى لمواجهة العالم.

اختفى الضوء و تلاشى صوت أمى و شعرت بصداع شديد حتى ظهر الضوء الخافت مرة أخرى و فى تلك المرة سمعت صوت زوجتى و كانت ترتدى فستان الزفاف و بدت أصغر سنا و كانت تردد عهود الزواج خلف القس و تنظر لى بعيناها المليئتان بالشغف و المحبة.
و تسائلت فى داخلى "أين ذهب هذا الشغف؟" و فى نفس اللحظة سمعت عقلى يرد قائلا:
"انا مش محور الكون، انا بشوف نفس النظرة منها لأولادنا و حتى لو النظرة اتطفت بس الحب متطفاش و هى بتثبتلى كل يوم إنها بتحبنى."

اختفى الضوء و ظهر لمرة أخيرة و رأيت إبنى البكر و هو ينادينى قائلا:
-أمجد، إنت عارف إنك أقوى واحد، انا لما أى حد هيسألنى هقوله كده.
-إشمعنا يا ريس؟
-عشان إنت بابا.

عاد الصوت الرخيم مرة أخرى و قال:
-فهمت حاجة؟
-إنت بابا؟
-إنت عارف من الأول، المهم إنت مين؟

فضحكت بداخلى و فهمت ما يحاول أن يقوله.
حقا إنى قد خلقت على صورة أبى و شبهه، أتمنى أن أجعله فخورا بى دوما و أتمنى أن يعطينى العقل الذى يفهمه لأن حكمته أعلى من إحصاء فهمنا.

بطل القصة: أمجد ميخائيل

Comments

  1. ايه يا حبي الشغل المؤثر والابداع ده.... حاسس ان في افكار كتيره واسقاطات كتير من الاحداث دي....
    شرف ليا اني اكون احد ابطال قصصك يا حبي..... شكراااااا

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

A Walk In God's Temple

هل أستحق الموت؟ "حدث بالفعل"

عزيزى نادر !