حكاية إنسان: ما بعد النهاية

بعد نهاية يوم مرهق من العمل يعود صابر إلى المنزل ليأكل بعض الطعام و يذهب إلى غرفته ليتفحص مواقع التواصل الاجتماعى من خلال هاتفه و يقرأ قليلا قبل أن يخلد إلى النوم و لكن كالعادة يواجه مشاكل مع نومه حيث يضطر أن يصارع أفكاره السوداوية و الأحداث الصغيرة التى تعكر صفو ذهنه.
بعد صراع طويل ينتصر فيه النعاس فى النهاية لينم بضعة ساعات ليبدأ يوما آخر من هذا الروتين المتكرر.

*ثانية واحدة إيه الملل ده، فى حد هيضيع وقته يقرا البؤس ده؟ انت شخصيا قادر تستحمل نفسك و انت بتكتبه؟*

قرر الشاب أن يخرج خارج إطار المعتاد و أن يرفه عن نفسه قليلا فذهب إلى حديقة و جلس على أحد المقاعد و رأى فى الحديقة أمامه أرجوحة صغيرة يغطيها التراب و تملك الصدأ من الحديد المصنوعة منه و رأيت طفلا يركض تجاهها سعيدا حتى تنهره أمه ليبتعد عنها لئلا يلوث ثيابه فيبكى الطفل قليلا و لكن نظر إليه أبوه بحنان و رفعه عن الأرض ليحتضنه فهدأ الطفل قليلا ثم أراد الأب أن يعوضه عما فاته من المرح فأخذ يلقى به إلى الأعلى و رأيت النظرة فى عينيه و كأنه يمتلك العالم بين يديه و ثم يهوى من الأعلى ليلقى ذراعى أبيه تلتقطانه فيضحك من قلبه و يعيد أبوه الكرة و ملأ هذا الطفل الحديقة بالحياة من خلال ضحكاته.

*-حلوين شوية التفاؤل بس انا مش فاهم انت عايز توصل لإيه !
-طب بعد إذنك انا اللى بكتب دلوقتى ممكن تسيبنى أكمل للآخر و بعد كده قول اللى انت عايزه.*

يتذكر ما حدث قبل حوالى 10 سنوات أنه لطالما أحب صابر الرياضة بكل أنواعها و برغم أنه لم يمتلك جسما رياضيا إلا أنه برع فى العديد من الرياضات.
من ضمن الرياضات التى أحبها صابر كان التنس و ذلك بسبب صديقه يوسف الذى برع فيه، و يعد يوسف و بحبح الصديقان الأقرب لقلب صابر و قد تشاركوا فى فعل كل شئ برغم إختلافاتهم الجذرية فبحبح لم يكن رياضيا على الإطلاق و يوسف كل ما يهتم به كان كلبه لذا كانت اهتمامات الشباب الثلاثة مختلفة و لكن ما اتفقوا فيه كونهم اجتماعيين.
ذات مرة ذهبوا ليلعبوا التنس سويا فقضوا بعض الوقت يلعبون مباراة و كانت المباراة متوافقة حيث كان مستوى يوسف ممتاز بينما كان بحبح سيئا و كانوا فى الفريق سويا و أما بالنسبة لصابر فأحضر أحد أصدقائهم و كان مستواهما متوسطا.
بعد قليل أنهك بحبح و قرر مغادرة الملعب و قد قارب موعد تدريب يوسف لذا قرروا إنهاء المباراة عند هذه النقطة.
غادر الصديق الرابع إلى منزله و جلس بحبح و صابر فى انتظار يوسف لينهى تدريبه و بعد قليل جاء بعض الأصدقاء و قرروا إضاعة الوقت فى لعبة الاستغماية.
اختفى بحبح لفترة طويلة و لم يجد أى منهم أثرا له و كان يوسف قد أنهى تدريبه و تأخر الوقت و وجب على الجميع العودة إلى منازلهم.
ظل الجميع يبحث عن بحبح و لكن كل ذلك بلا جدوى حتى سمع صابر صوت ضحكات فتاة و أثار ذلك فضوله فدخل هذا المكان المظلم ليجد بحبح يعانق إحدى صديقاتهم.
صعق صابر و حاول ألا يظهر أنه لاحظ وجودهم و خرج بهدوء و بدأ يصبح "بحبح انت فين؟ يلا عشان كله مروح" 
سمع صابر صوت حركاتهم المرتبكة فى الداخل فابتعد عن المكان ليسمح لهم بالخروج دون أن يشعرهما بالحرج.
فى النهاية ظهروا و تسائل الجميع أين كانا و كانت إجابتهم حمقاء مفتعلة بحيث يمكن لأى شخص أن يستنتج ما حدث و بالفعل سخرت منهم إحدى الفتيات و لكن حاول صابر تغيير الموضوع بإعلانه حاجتهم للعودة للمنزل فالوقت قد تأخر.
فى الأيام التالية بدأ بحبح يبوح عما بقلبه تجاه الفتاة و كان الأمر مادة للسخرية بالنسبة ليوسف و صابر حيث كان يوسف مرتبطا بإحدى الفتيات بالفعل و يتعامل مع الأمر و كأن ما يفعله بحبح "لعب عيال" بالنسبة له، أما بالنسبة لصابر فكان يسخر محاولا إخفاء حاجته لمثل تلك المشاعر لئلا يكون هو محط السخرية منهما.
كان كلام بحبح يثير رجولة صابر و مشاعره و أدرك إحتياجه الداخلى لنوع مختلف من الأنس بخلاف الأصدقاء المقربين.
يعبث إبليس بعقله فتعامله إحدى الفتيات من مجموعة الأصدقاء بطريقة لطيفة فيحاول صابر أن يبدو مميزا و يلقى النكات فتضحك بشدة و يبتسم قلبه فى كل مرة تضحك له و لكن لم يكن جريئا بما فيه الكفاية ليبوح لها عما بقلبه تجاهها حتى جاء اليوم المنتظر ليعترف بمشاعره لأول مرة فى حياته من خلال رسالة نصية كل ما كتبه فيها "I love you" و لكنها لم تجبه بشئ و كأنها أرادت أن تخبره أيها الغبى انا فى علاقة مع صديقك المقرب يوسف، كيف لك أن تفعل هذا، و كان ردها الصامت بمثابة رصاصة فى قلبه و لأول مرة يختبر مشاعر الرفض الموحشة و كسرة القلب و كل ما دار بذهنه أن يتراجع عن فعلته بإرسال رسالة أخرى يخبرها فيها أنه قد أرسل هذه الرسالة عن طريق الخطأ و لكن بعض ما تقوله أو تفعله ليس بمقدرتك أن تمحها.

*-تصدق انا قلبى وجعنى.
-انا مش عارف انت مالك بيا بجد، لو عايز تتريق فانا فعلا مش مستحمل منك نص كلمة.
-هتعمل إيه يعنى هتضربنى؟ انت أطرى من كده.
-بعد إذنك إخرس شوية و سيبنى أكمل كتابة.*

تمر الأيام بعد هذا الحدث الأليم يبحث فيها صابر عن قيمته خصوصا بعدما فقد التواصل مع بحبح و يوسف حيث كبروا و كبرت معهم اختلافاتهم فتفرقوا كل واحد إلى حال سبيله و فى هذه الأثناء بحث صابر عن قيمته سواء من خلال أصدقاء جدد أو علاقات حب من طرف واحد حيث لم تعترف له أى فتاة بحبها و لم يشعر بذلك حتى مما قلل من ثقته بنفسه و فى بعض الأحيان حاول أن يعالج هذا الأمر من خلال بحثه عن قيمته فى علاقته بالله و التدين و نجح الأمر مؤقتا حتى طاردته التساؤلات و عبثت بعقله و رفض الله لوقت ليس بقليل و لكنه توصل فى النهاية إلى تصالح مع الله و إيمانه بأن الله موجود و صالح...

*-و بلا بلا بلا، إنجز.
-ا...*

كان عام صابر التاسع عشر عاما فارقا حيث بعدما سار بخطى ثابتة فى علاقته مع الله وقع فى الحب، أعجب صابر بذكائها و خفة ظلها و جمال ملامحها، إذا كانت هناك فتاة مثالية بالنسبة له فستكون هى "سارة" تلك الفتاة، كانت الكون بأكمله بالنسبة له و من ناحيتها أحبته هى الأخرى بشدة و كان كل منهم تعويضا للآخر عن أعوام من البؤس و لكن المشكلة كانت تكمن فى كونهما يكملان بعضهما إلى حد الإكتفاء و كانت المعضلة فى اكتفاء صابر بها دونا عن الله و صارع كثيرا ليحافظ على علاقته بالله و لكن تحولت علاقة سارة به إلى الإدمان، لقد أحبها صابر حد الجنون و كان على أتم الاستعداد أن يموت لأجلها و لكن لم يكن فى حسبانه أنه يجب عليه الحياة لأجلها أيضا و هنا بدأت تظهر الاختلافات بينهما، فى كل مرة كان ينتصر الحب كما كان يظن و لكن للأسف كان كل ذلك إدمان مدمر.
لحظة ما أدرك هذا قرر أن ينسحب و يتوقف عن هذا الإدمان لم تكن سارة على استعداد، لم تراه كإدمان من الأساس، كان الأمر بمثابة صراعين، صراع بينه و بين سارة و كان قائما على اختلاف رؤيتهما للأمر و حاول من خلاله أن يوضح وجهة نظره دون أن يجرحها و لكن فى كل مرة ازداد الصراع، و الآخر كان بينه و بين نفسه فجزء منه يحب سارة و لا يرى حياة بدونها و جزء آخر يخبره أن نهاية هذا الطريق ستكون الهلاك لكلاهما.

*-أكيد سابها عشان جبان و مش راجل.
-صدقنى انا كمان قلت عليه كده، بس فى نفس الوقت أبهرنى بقوته إنه فى عز ما كان بيموت فيها قال لنفسه لأ.
-طب و سارة؟
-سارة اتفشخت فى حياتها و صابر قلبه اتكسر بسبب ده بس الحياة بتمشى، هى كرهته فترة و هو كره نفسه فترة أكبر، استنى هكملك.*

مرت الأيام السوداء و لحقت بها الأيام الرمادية التى تخلو من الحياة، فقد صابر قيمة حياته حيث كان يستمدها من مصدر واحد و هو "سارة"، حاول أن يعيد علاقته بالله و لكن فشل الأمر و حاول مرارا بدون جدوى حتى وجد أخيرا قيمته فى علاقة صحية و هى كانت علاقته بجده الذى أصيب بمرض منعه من الحراك فكان صابر يبذل الكثير من وقته للبقاء مع جده ليخدمه و ليقضى معه أوقاتا تهون سخافة الحياة و لكنه مع ذلك أدرك أنه ما زال فاقدا لجزء منه و انتهى سلامه مع رحيل جده عن العالم.

*-انا مش عايز أسمع تانى كفاية كده.
-لأ و انا لازم أتكلم إشمعنى انا بسمع الناس و محدش يسمعنى.
-بس انت كده كده محدش هيسمعك.
-لأ فى ميلا و فى انت.
-ميلا مين، انت مصدق نفسك؟
-لأ يا عم ميلا صاحبتى و بتحبنى.
-ميلا بتملا بيك فراغ فى حياتها بس لما تلاقى حد تحبه هتبقى بالنسبالها ولا حاجة.
-لأ ميلا بتحبنى صدقنى انا عارف.
-هى عملت إيه عشان تقول كده؟
-عملت كتير.
-انت عبيط يا بنى هى معملتش حاجة عظيمة فى حقك و هى لطيفة معاك فعلا بس كل ده مرهون بالأحداث و هتيجى فى وقت مش هتلاقيها عشان هى مش عايزاك زى ما انت عايزها و بتحب وجودها، هى عندها القدرة إنها تستغنى عنك و تكمل كأن مفيش حاجة.
-اسكت.
-لأ انت لازم تسمعنى عشان انت عمال تضحك على نفسك و بتشحت حب و بتحاول تسد فراغ جواك و هتقع على وشك فى الآخر.
-إخرس !!!
-مش هسكت عارف ليه، عشان انت فشختنى معاك، كل مرة بتعك الدنيا و تيجى عليا انا فى الآخر و تقول انا اللى بوجعك.
-ا...
-المشكلة إن انا و انت واحد، انا و انت صابر، و احنا الاتنين جينا على بعض عشان خاطر إيه فى الآخر؟
يا صابر انا تعبت منك و لازم تشوفلك حل فينا لأنى كل ما بفكرلك بتكدبنى و انا أه يمكن أحيانا باجى عليك بس انا خايف عليك.*

*انا كتبت عن ناس كتير بس كان نفسى حد يكتب عنى، أو بالأصح حد يحس بالصراع اللى جوايا فقررت أكتب ده عشان أقول إنى خربان و نفسى فى حل لأنى تعبت من نفسى.

المرة دى بطل القصة نادر أسامة، بس للأسف انا مش عارف أشوفه بطل.

Comments

Popular posts from this blog

A Walk In God's Temple

هل أستحق الموت؟ "حدث بالفعل"

عزيزى نادر !