تحت تأثير باسكار: الجزء الأول
مقدمة
ظللت ناظراً الى
الرسالة حتى شعرت بالنعاس و أغمضت عينى ثم فتحتهما لأرى سحابة تقترب من الأرض
لتتوقف بجوارى و سمعت صوتاً من السماء يقول "اصعد" فسمعت للصوت و صعدت
على السحابة و بالفعل صعدت بى عالياً إلى السماء و كنت أنظر للمنظر من تحتى فرأيت
السحاب كقطن متناثر و تمر الدقائق فأرى المياه الزرقاء من بين السُحُب ثم رأيت
الأراضى الخضراء و من بعدها المبانى المرتفعة ثم هبطت بى السحابة فى مكان شديد
الظلام بين الأزقة و إتخذ الأمر منى ثوانٍ لأتذكر هذا المكان و تأكدت من صحة ما
جاء بعقلى عندما رأيت الرجل المشرد من القطار مع إبنتيه حيث مكثوا فى ضواحى ميونخ
و كان الرجل ممسكاً بعصا مشتعلة يطارد بها أفعى او حية, لم أستطع أن أميز حينها
ماهية هذا الكائن لبعدهم و كان الأمر كالفيلم المصور بالنسبة لى أشاهده من بعيد.
برغم ضربه لهذه
الأفعى بالعصا إلا أنه كان لا يتألم و لا يحترق و ظل يواجه الرجل فى ثبات و ظننت
أن الرجل سيموت لا محالة.
توجه هذا الثعبان
ناحية إحدى إبنتى الرجل و كاد ينقض عليه ليلتهمها و لكن هرع الرجل ناحية إبنته و
غرز العصا فى رأس الأفعى فأصدر فحيحاً قوياً و هرب بعيداً و فجأة ظهرت هذه الأفعى
أمامى و نظرت لى فرأيت عينا داميان و لكن سحبتنى السحابة مجدداً بسرعة و علمت أن
هذا ليس إلا حلم و فى خلال دقيقتان أنزلتنى السحابة أمام منزلى بهامبورج.
بعدما نزلت شعرت
بدوار رهيب فسرت بخطى متعرجة و دخلت المنزل و ألقيت بجسدى على الأريكة و غُطت فى
نومٍ عميق.
الجزء
الاول
الفصل الأول
فى إحدى ليالى
الشتاء الباردة كنت أجلس فى الشرفة مدخناً لفافة التبغ الخامسة محاولاً تدفئة جسمى
و كل ما يدور فى ذهنى أننى لا يمكننى أن أضيع هذه اللحظات الفارقة فى تاريخ السماء
مضيعاً مشهد الشهب المضيئة و الكويكب "باسكار" الذى ظهر فى آخر 10 سنوات
محلقاً فوق سماء اليابان و ها هو يظهر للمرة الثانية فى سماء سلوفاكيا حيث يقول
البعض أن وجود مثل هذه الاجسام الفضائية قد تكون رسائل من الله و بعضهم يؤمنون
إنها من قوة عليا أخرى من الفضاء و يؤمنون انها تجلب الحظ.
بالنسبة لى انا لا
اؤمن بالله او بالحظ, و لكن الدافع وراء البقاء ساهراً حتى هذا الوقت المتأخر هو
الفضول لرؤية هذا المشهد البديع الذى لم يسبق لى رؤيته.
قاربت الساعة على
الخامسة صباحاً و لم تظهر إلا بعض الشهب التى كانت تنبئ بمجئ الكويكب طوال الليل و
لكن لم يبق الكثير من الوقت حتى تنقشع الظلمة بنور الصباح و تسطع الشمس مبددة
آمالى و لأول مرة شعرت بداخلى إنى أكره الفجر برغم ما كان يحمله من معانٍ جميلة
بالنسبة لى حيث اعتاد أبى قول أنه كنهاية ظلام العالم لتتكون فرصة لبداية جديدة.
فى تمام الساعة
الخامسة و تسع دقائق بعدما فُقِد الأمل لدى الكثيرين و خلدوا الى النوم سمعت صوتاً
قوياً بدرجة شديدة أدى إلى صمم أذناى و فى خلال اقل من دقيقة قد مر الكويكب ليكون
اكبر و اقرب جسم فضائى مضئ قد رأته عيناى طوال حياتى.
لشدة دهشتى من المنظر
تسمرت عيناى تجاه الكويكب حتى اختفى لمدة تصل إلى حوالى ثلاثون ثانية دون أن ترمش
عيناى و شعرت بأن العالم من حولى يهتز حيث خرج جميع الجيران ليفتحوا ابواب شرفاتهم
و شبابيكهم و لكن كل هذا بدون جدوى. كنت من القلة المحظوظة التى تمتعت برؤية هذا
المشهد المهيب, برغم عدم سماعى لأى شئ و عدم انتباهى لأيا كان ما يحدث الا انه استقوفنى
شعور بألم شديد فى قدمى لأدرك أننى أسقطت لفافة التبغ من يدى دون انتباه لتحرق
قدمى.
فى تلك اللحظة
صرخت و لا زلت لا استطيع سماع صوتى و لكن هذا لا يهم الآن, أسرعت الى الداخل لأغسل
قدمى بماءٍ بارد لأقلل من شدة الالم.
بينما أضع قدمى
تحت الماء شعرت برعشة فى فخذى مما أثار قلقى و لكن فى ذات اللحظة استبعدت فكرة ان
الحرق قد اصاب الاعصاب و ذلك لأدراكى إنه هاتفى فأخرجته من جيبى لأجد اسم
"لينا" يعتلى الشاشة فرددت عليها و لكن الصمم الذى اصاب اذناى لم يُمَكِننى
من سماع أياً مما تقوله الا بعض التشويش حتى فقدت الامل و اغلقت الخط.
بالمناسبة لينا هى
احد أقرب اصدقائى, أو فى حقيقة الامر قد كانت صديقتى الوحيدة, هى فتاة مصرية قد
عشت معها معظم طفولتى حتى فرقتنا الجامعات ليذهب كل منا الى طريقه, انا قد إخترت
دراسة الكيمياء النووية فى جامعة مرموقة بالمانيا و لا اعلم السبب تحديداً لكن كل
ما أعرفه أننى كنت أذكى من الكثيرين حولى أو على الاقل هذا ما كان يقال عنى لئلا
تظننى متكبراً و كنت ناجحاً فى دراستى حيث لم يكن لدى العديد من الخيارات لأننى لم
يكن لدى ما يضيع وقتى مثل المواهب او الاصدقاء و حتى العاب الVR لم تكن
تثيرنى, كنت أقرأ فقط, قرأت فى كل المجالات و لكن ما أحببته حقاً هو علم النفس حيث
كان يكشف ما بداخلى و يجعلنى فى تواصل دائم و قوى مع ذاتى.
ليس لدى الكثير
لأقوله عن نفسى ففى حقيقة الامر انا شخص روتينى للغاية و يمكنك ان تقول ان حياتى
مملة بلا احداث.
أما بالنسبة للينا
فهى فتاة جميلة شعرها اسود داكن لامع يغطى كتفيها و عادةً كانت إما تربطه كذيل
الحصان أو تتركه كما هو على حاله و كانت لديها عينان لونهما اسود قاتم و بشرة
بيضاء تغطيها حسنة صغيرة على خدها الايمن, كانت احياناً ترتدى نظارات و احياناً
اخرى تتركها, لم تكن طويلة او قصيرة, لديها جسم رشيق مثالى بالنسبة لأى رجل يراه و
لكن لم يلفت ذلك انتباهى ابداً فهى بالنسبة لم تكن الا صديقة الطفولة البريئة.
المهم أن ما حدث
هو اننى بعدما غسلت قدمى بالماء و قمت بتنشيفها وضعت المرهم على مكان الحرق و
ابتلعت قرصاً مسكناً و أمسكت بهاتفى لأبعث للينا برسالة قائلاً لها:
"معلش يا لِن مش سامعك فهكلمك بعد شوية"
فأجابت فى الحال قائلة:
"معلش يا لِن مش سامعك فهكلمك بعد شوية"
فأجابت فى الحال قائلة:
"شوفته؟!!!!"
"أيوه, هبقى احكيلك لما اكلمك"
"أيوه انا عايزاك تحكيلى على كل حاجة من ساعة ما سافرت بالتنتوفة, و قوللى صح بابا عامل ايه دلوقتى؟"
"معقول, الدكاترة بيقولوا انه هيخرج على أخر الاسبوع ده, فهروح بعد بكره على المانيا عشان ميحسش انه لوحده و هرجع مصر على يوم 15 كده"
"طب الحمد لله, و حلو هانت خلاص يا قمر, ابقى ابعتلى التذكرة بتاعتك بس عشان استناك فى المطار, و كلمنى لما تفضى"
"حاضر يا لِن"
"أيوه, هبقى احكيلك لما اكلمك"
"أيوه انا عايزاك تحكيلى على كل حاجة من ساعة ما سافرت بالتنتوفة, و قوللى صح بابا عامل ايه دلوقتى؟"
"معقول, الدكاترة بيقولوا انه هيخرج على أخر الاسبوع ده, فهروح بعد بكره على المانيا عشان ميحسش انه لوحده و هرجع مصر على يوم 15 كده"
"طب الحمد لله, و حلو هانت خلاص يا قمر, ابقى ابعتلى التذكرة بتاعتك بس عشان استناك فى المطار, و كلمنى لما تفضى"
"حاضر يا لِن"
ذهبت للنوم بعدها
لبضع ساعات ثم استيقظت, فقمت لاحضار بعض القهوة و الافطار.
بعد مرور ساعة و
انا اجلس فى السرير محاولاً إراحة قدمى وجدت جينيفر تبعث لى برسالة تقول فيها
بالانجليزية:
"هنتقابل
فين؟"
جينيفر هى احدى
صديقات لينا, فى الحقيقة لم التقى بها قبلاً, كان كل ما يربطنا قلة من الرسائل منذ
بضعة أيام حيث ان لينا شعرت بوحدتى و أصرت ان اخرج لأقابل بعض النساء او على الأقل
ان احظى ببعض الصداقات خاصةً أننى قد قاربت على سن الزواج طبقاً للمجتمع حيث اصبح
عمرى 27 عاماً, فى الحقيقة انا اكره فكرة المواعيد المدبرة و تسبب لى التوتر
الشديد ففى بداية الأمر رفضت الأمر بتاتاً و لكن بعد اصرار شديد من لينا وافقت
ارضاءً لها و كنت اقول بداخلى ماذا لدى لأخسره.
فأجبتها:
"الساعة 3 فى اى حتة عايزاها"
"ستاربكس؟"
"ماشى"
"الساعة 3 فى اى حتة عايزاها"
"ستاربكس؟"
"ماشى"
تركت هاتفى لأفتح
جهاز اللابتوب خاصتى لأكمل العمل على مشروع الدكتوراة و لم أدرك مرور الوقت حتى
وجدت جينيفر تتصل بى تخبرنى بوصولها الى المكان المتفق عليه و تسألنى إذا كنت قد
وصلت, عادةً ما التزم بمواعيدى إلا أننى تناسيت الامر هذه المرة لعدم تقبلى للفكرة
و لكننى قد وعدت لينا انى سأقابل هذه الفتاة لذا لم يكن أمامى إلا أن اكذب و
أخبرها أننى قادم فى الطريق إليها و أغلقت الخط و هممت لأرتدى ملابسى و أوقفت
سيارة اجرى لتقلنى بسرعة و بالطبع وصلت متأخرا حوالى 20 دقيقة و دخلت لأجد الفتاة
التى أرسلت لى لينا صورتها جالسة على طاولة و للأمانة كانت ملامحها أجمل بكثير مما
فى الصورة حيث كانت شقراء لها عيون بنية واسعة و بشرتها بيضاء بياضاً ناصعاً و
ترتدى فستاناً اسود يظهر جسمها الممشوق و شعرها الطويل يصل الى منتصف ظهرها و
يتحرك بخفة مع أقل نسمة هواء و كأنه يتراقص فرحاً كلما حظى بفرصة للمس هذا الجسد
الناعم إلا أنها لسببٍ ما لم تجذبنى على الاطلاق.
ذهبت لأصافحها و
لكن بطبيعة الحياة الغربية وقفت لتحضننى بدلاً من أن تصافحنى بيدها و جلسنا, فبدأت
بأن أعتذر عن تأخرى و لكنها ردت بعفوية قائلةً:
"انت جيت
متأخر, و مجبتليش ورد, شكلك مبتفهمش خالص فى الdates زى ما لينا
قالتلى, بس ما تقلقش انا هعلمك كل حاجة" ثم ضحكت.
فرددت بأبتسامة مصطنعة قائلاً:
"لينا قالتلك ايه كمان عنى؟"
فرددت بأبتسامة مصطنعة قائلاً:
"لينا قالتلك ايه كمان عنى؟"
"مش مشكلة
لينا قالتلى ايه, المهم انت هتقول ايه !"
بينما تقول هذا
جاء النادل ليأخذ طلباتنا ثم أخبرتها انى لست متحدثاً جيداً و أفضل الاستماع فبدأت
تحكى عن حياتها بعض التفاصيل السطحية التى جعلتنى اقول فى داخلى ان الله اذا كان
موجوداً بالفعل كما يدعون فهو اله غير عادل بالمرة, كيف يخلق امرأة بهذا الجمال و
لا يعطيها اى نصيب من الذكاء, بالحقيقة لديه خلل فى الموازين !
بالمناسبة كانت
لها لكنة سيئة. أعتقد أننى لطالما كرهت اللغة السويدية و وقع صوتها على أذناى و
بالطبع لم أكن لأفهم منها أى شئ بدون الاستعانة بالرقاقة المزروعة بمخى التى
تساعدنى على ترجمة أى لغة فورياً و يترجم ما أقوله بالمثل لكى يفهمه الطرف الآخر.
تلقائياً لم استطع
منع نفسى من التثاؤب فلاحظت جينيفر هذا فقالت:
"هو انا مملة للدرجادى؟ طب ما تحكيلى انت عن نفسك"
"هو انا مملة للدرجادى؟ طب ما تحكيلى انت عن نفسك"
بالطبع انكرت مللى
و أخبرتها ان ذلك بسبب خلل فى النوم, ثم اخبرتها بعض التفاصيل عن طبيعة دراستى و
عن علاقتى بلينا مما جعلها تستاء و تنظر لى بحنق و تقول:
"هو انت لينا
عاجباك أكتر منى؟"
"لأ خالص الموضوع مش كده, انا بس مش عارف اتكلم فى إيه, إنما انتِ بجد جميلة جداً"
عندما انتهيت من جملتى مالت ناحية اذنى و همست قائلةً:
"تحب اوريك حاجة تانى جميلة؟"
"لأ خالص الموضوع مش كده, انا بس مش عارف اتكلم فى إيه, إنما انتِ بجد جميلة جداً"
عندما انتهيت من جملتى مالت ناحية اذنى و همست قائلةً:
"تحب اوريك حاجة تانى جميلة؟"
ثم ضَحِكَت بخبث و
شعرت بيدها تلمس فخذى و فى تلك اللحظة تخشب جسدى و صحت قائلاً:
"انتِ ازاى
تعملى كده؟ انا غلطان إن انا جيت هنا اصلاً"
كان الجو ممطراً
بالخارج فارتديت معطفى و سرت مسرعاً باتجاه شقتى دون ان انظر خلفى و لو للحظة غير
عابئاً بأى شئ سوف يحدث حتى جائت اللحظة لأدرك اننى نسيت دفع حساب الطعام الذى
طلبناه فعدت الى المطعم لأجدها خارجة منه باكية فنظرت لى شذراً, لم أعبأ بهذا
فدخلت بالفعل و أدركت انها دفعت الحساب و بينما أخرج وجدتها واقفةً تنتظرنى و تعلو
وجهها نفس النظر ثم اقتربت إلى و إذ فجأةً صفعتنى على وجهى ثم رحلت و كأن شيئاً لم
يحدث و تركتنى مصدوماً مما فعلته و الجميع حولى ينظرون الى يتسألون عن سبب تلك
الصفعة و لكنى قررت الا اجعل من نفسى أضحوكة فهممت بالعودة الى المنزل.

Comments
Post a Comment