حكاية إنسان: الجزء الحادى عشر
فى أحد أيام الشتاء البارد فى بداية الفصل الدراسى الثانى استيقظت على صوت المنبه الذى لطالما أزعجنى و لكن بطريقة ما اعتدته و ذلك لحاجتى للسفر يومياً إلى القاهرة للذهاب إلى جامعتى التى تبعد عن مدينتنا بحوالى ساعة.
ذهبت إلى الحمام لأغسل وجهى و بينما انا خارجة من الباب وجدت أمى تمر من أمامى حاملة كوب من الشيكولاتة الساخنة التى عادة ما يشربها الأطفال ليلاً لتساعدهم على النوم و لكن على عكس الطبيعى لكونى راشدة و لكونى أشربه ليساعدنى على الإفاقة بدلاً من القهوة.
عدت إلى غرفتى تابعةً أمى بعدما تبادلنا التحيات و سألتنى:
-أعملك سندويتشات ولا هتفطرى مع صحابك فى الجامعة؟
-لأ يا ماما فاطمة مش جاية إنهاردة الجامعة, ممكن تعمليلى أى حاجة خفيفة؟
-حاضر.
تركتنى لتوقظ أختى و لتحضر لنا الإفطار, فى هذه الأثناء مررت سريعاً لتحية أصدقائى الذين قضوا معى الليلة الماضية و أودعهم حتى نلتقى لاحقاً.
بعدما بدلت ملابسى و وضعت القليل من مساحيق التجميل لأخفى القليل من البؤس الناتج عن الاستيقاظ باكراً و أخذت الطعام من أمى و بينما اغادر الشقة وجدت أبى يجلس فى غرفة المعيشة فحييته قائلةً "صباح الخير" و لكنه لم يلحظ ذلك لانهماكه بكتابٍ يقرأه و لم أرد تشتيته فنزلت لأركب أتوبيس الجامعة و عادةً ما كنت استغل هذا الوقت فى واحدة من ثلاثة أشياء, إما النوم و ذلك كان أندرهم حدوثاً, إما تقضية الوقت فى الحديث مع أى من زملائى فى أى أمور عشوائية و ذلك ما زال أقل حدوثاً من الأمر الثالث و ذلك لكونى شخصية هادئة نسبياً و عادة ما احترم حرية الآخرين فأتجنب الاقتحام, و الأمر الثالث عادة ما كان الانتهاء من البحوث التى يجب تسليمها و لم انتهى منها بالأمس.
لكون هذا اليوم الأول فى الفصل الدراسى لم أكن فى مزاج جيد لعدم كفاية النوم الليلة الماضية و كان الخيار الأول من نصيبى و لكن لم يكن الأمر بهذه البساطة ففى البداية تلقيت مكالمة مشحونة بالعتاب من أبى لمغادرتى المنزل دون علمه أو تحيته حتى و كان ردى بارداً هادئاً لأنى لم أكن فى مزاج لمثل تلك المحادثات فقررت أن أنهى الأمر بالاعتذار برغم كونى لست مخطئة.
حاولت أن أكمل نومى حتى سمعت صوت صياح إحدى الفتيات تتشاجر مع سائق السيارة و أحد الطلبة لكونهم يدخنون و قد ملأوا الأتوبيس برائحة السجائر الكريهة و كان رد السائق بارداً:
-ما انا فاتح الشباك و طول عمرى بشرب و محدش بيشم دخان, اتشطرى على زميلك انا برا عنى يا مزمازيل.
فصاحت بصوت أعلى:
-انا ماليش دعوة بالكلام ده, انا دلوقتى دافعة مصاريف قد كده فى الجامعة و فى المواصلات و مفروض إنه أولاً ممنوع التدخين جوه المواصلات و غير كده انتوا لازم تحترموا الناس التانية و فوق كل ده انا مش هدفع الفلوس دى كلها و اقعد مش مرتاحة عشان سيادتكم قررتوا تشربولكم سيجارتين.
اقتطع الشاب حديثها بطريقة فظة و عنيفة لأقصى درجة و صاح بصوت غليظ:
-خلاص فكك من أم الصداع اللى انت عاملاه ده مكانتش سيجارة يعنى الواحد شربها عشان يفك عن نفسه, يلعن أبو دى عيشة عاللى عايشينها !
أدى السيجارة أهى رميتها عشان ترتاحى مش عايز أسمع صوتك تانى.
صمت الجميع للحظات و عادت الفتاة مصدومة إلى كرسيها و بعد لحظات من الصمت سمعت غمغات الناس يتحدثون بصوت منخفض عما حدث, سمعت البعض يشتكون كيف أن الفتاة تهول الأمور و كم أن صوتها الحاد مزعج و البعض الآخر يتحدثون عن مدى شجاعة الفتاة لمطالبتها بحقها.
لم آبه لأى من هذا و لكنى ظللت أفكر فى رد فعل الشاب المبالغ فيه و كلماته النابعة من قلب الغضب "يلعن أبو العيشة عاللى عايشينها" و أفكر فيما قاده لهذه المرحلة من لعن الحياة و كل ما بها و ما زاد تساؤلى رؤيته منتظراً ليكون آخر من ينزل من الأتوبيس و لكنى لاحظت أحمرار عيناه اللتان أغرورقتا بالدمع و كان كل ما بداخلى يدفعنى للتحدث إليه و لكن خوفى و خجلى منعانى من الحديث.
مر يومى فى الجامعة ببطء شديد و أثناء العودة لاحظت غياب الشاب, ربما غادر مبكراً أو لعله يمكث فى القاهرة بسكن الطلبة, لم استطع التوقف عن التفكير بما حدث و عندما عدت للمنزل استحممت و تناولت الطعام الذى أعدته أمى و بعده دخلت غرفتى لأجد أصدقائى فى انتظارى, العديد منهم كانوا يجلسون على الأريكة و بعضهم يجلسون على أرفف المكتبة و لكن أقربهم لقلبى كانوا عم شيكو و بيلا و بندوق و تركتهم دوماً على سريرى و هم من أشاركهم قصصى دوماً و أحياناً يشاركوننى قصصهم, بالمناسبة هؤلاء كلهم دمى محشوة و لكن كانت تربطنى بهم علاقة قوية منذ الطفولة, بندوق كان دباً محشواً كبيراً و بيلا كانت تبدو كالأميرات و لها شعر أصفر طويل و أما بالنسبة لعم شيكو فهو كان أول هدية لى و كان طفلاً رضيعاً و لكن فى طفولتى أحضرت بعض أقلام التلوين لأغير من ملامح وجهه فيبدو عليه العجز برغم كونه رضيع لذا كان غريباً بالنسبة لكل من يراه و لكنه كان الأقرب لقلبى دوماً.
حكيت لهم عما حدث فى يومى و جلست لأشاهد بعض الأفلام حتى غلبنى النعاس و استيقظت اليوم التالى ليتكرر نفس الروتين باستثناء مقابلتى لفاطمة لنركب الأتوبيس سوياً و نذهب إلى الجامعة.
لم اتحدث معها بخصوص أى مما حدث البارحة و قررت الاحتفاظ بالأمر لنفسى و فى المقابل تحدثنا عما حدث فى الأيام الماضية أثناء الأجازة.
مرت الأيام و قابلت الشاب الذى دخن السيجارة بالأتوبيس فى الجامعة و بالصدفة علمت أننا فى نفس الكلية حيث كان يرتدى الScrub و يجلس برفقة بعض الشباب ذوو الوجوه المألوفة لى من إتحاد الطلبة بالكلية و الدفعات الأكبر , ربما كان من دفعة أكبر, لا اتذكر رؤيته من قبل و بينما أنظر تجاهه وجدته ينظر تجاهى و ابتسم بدون سابق إنذار فشعرت بالخجل و أشحت بوجهى بعيداً و رحلت ذاهبةً إلى مبنى المحاضرات.
انشغلت باقى اليوم و فى طريق العودة وجدته يصعد على متن نفس الأتوبيس و مر بجانبى فأبتسم لى و رحل ليجلس فى الخلف و هذا الأمر وترنى لسبب لم أعلمه, ربما لأنى ما زلت أريد التحدث إليه بشأن ما حدث أو ربما لأنى لا أجد مبرراً لتلك الابتسامة, حاولت أن أوقف تلاطم أفكارى ولكنى لم أنجح تلك المرة.
عندما عدت إلى المنزل قررت مشاركة أمى بما يحدث, جلسنا بعد وجبة الغداء المتأخرة بعدما دخلت أختى إلى غرفتها دخلت لغرفة أمى و بدأنا الحديث و كانت تسمعنى بإنصات شديد و فى هذه الأثناء عاد أبى من العمل و اقتحم الغرفة بعدما طرق على الباب الذى كان مفتوحاً بالفعل و ليعلن عن وصوله و سألنا عما نتحدث, فنظرت لى أمى ثم قالت:
-بنتكلم كلام بنات.
فضحكت و قلت:
-لأ مش كلام بنات ولا حاجة...
حكيت لأبى ما حدث باختصار فكان رده على ما قلته:
-بس انتى ليه عايزة تتكلمى مع الولد ده؟
-حاسه إنه محتاج مساعدة, انا نفسى أساعده.
-بس انتى متعرفيش إيه اللى فى دماغه, ممكن يئذيكى !
-بابا انت ليه محسسنى إنى طفلة؟ هيئذينى إزاى يعنى؟
-معرفش يا نينو, انا أكيد مش معترض على فكرة إنك تساعدى الناس بس أحياناً بنحتاج نفكر من ناحية مختلفة غير اللى إحنا متعودين عليه لأن مش كل الناس بتفكر زينا, يعنى انتى عارفة الولد ده ممكن يفكر فى إيه لو قربتيله؟ ممكن يحصل اللى بتتمنيه و وارد جداً إنه يوصله إنك معجبة بيه أو ممكن يئذيكى بأى شكل, إحنا فى عالم مليان شر.
-بس يا بابا دى طريقة تفكير سودة أوى, ليه منبقاش متفائلين شوية و نحاول نشوف الكويس فى الناس و نطلعه؟
-بصى يا نينو انتى كبرتى كفاية إنك تاخدى قراراتك بنفسك بس انا دورى كأب أحذرك من المخاطر و أوريكى الحتت اللى انتى مش شايفاها و فى كل الحالات انا بابا فهفضل فى ضهرك مهما عكيتى الدنيا و عايز أقولك إنى واثق فى قراراتك.
احترمت ما قاله أبى برغم أننى ما زلت أرى أنه يهول من الأمور و يرى الجانب السلبى من الأشياء, ربما أكون انا شديدة التفاؤل, أو ربما خوفى من أن أشبهه فى هذه النقطة هو ما يدفعنى للتصرف على ما هو نقيضه.
كل ما أتمناه هو أن يصبح هذا العالم مكاناً أفضل و اتمنى أن يكون لى يد فى حدوث هذا.
بطل القصة: ك.ن
Comments
Post a Comment