حكاية عم شحاتة: الجزء (٣\٣)
![]() |
يوم ٩ أكتوبر سنة ٢٠١٥…
كريم
وعيت على الدنيا و كان جدو أقرب حد ليا عشان بابا كان عايش فى بيت لوحده و انا كنت عايش مع ماما و جدو, ماما كانت معظم الوقت فى شغلها فكنت بقضى معظم الوقت مع جدو و كنا بنعمل كل حاجة مع بعض, يعنى من ساعة ما برجع من المدرسة هو اللى بيذاكرلى و كنا بنلعب مع بعض كوتشينة و دومينو, كل ما كنت بحكى لأصحابى فى المدرسة كانوا بيستغربوا لأن كلهم بيقضوا اليوم كله عالتابلت أو اللابتوب أو الموبايل.
بابا كنت بشوفه مرة كل شهر, كنت بحبه, هو كان علطول بيجيبلى أى حاجة انا عايزها بس مكنتش متعود عليه, سألت ماما كتير ليه هو مش عايش معانا و هى كانت دايماً بترد بإجابات عايمة و بتعاملنى على إنى مش فاهم حاجة و كأنى لسه صغير بس انا كنت فاهم كويس إنها مش عايزة تقعد معاه بس اللى مكنتش فاهمه ليه, و فاكر سألت جدو فى مرة عن الموضوع ده قاللى "مش دايماً أى حد بنحبه يفضل قاعد معانا, انا كنت بحب تيتا الله يرحمها و هى مشيت و سابتنى, هل ده معناه إنها مبتحبنيش؟"
مفهمتش قصده ساعتها و حسيت إن المواضيع مش مرتبطة ببعض بس قررت إنى مش هسأل تانى فى الموضوع ده.
يوم ٢٨ ديسمبر سنة ٢٠١٧…
كان يوم مأساوى جداً فى حياتى و مش قادر أنساه, ماما كانت بتحضر معايا شنطتى و كانت متوترة جداً بدرجة تضايق, و بعد ما خلصت دخلت أوضتها عشان تحضر شنطتها كمان, الوحيد اللى كان قاعد مكانه كان جدو مخلص و كان بيتفرج على كل اللى بيحصل من غير ما يتكلم بس انا كنت حاسس بيه, ماما جالها عقد عمل و هتسافر أبو ظبى بكره, و انا هروح أقعد مع بابا و جدو هيسيب البيت و ماما هتنقله لدار مسنين عشان هى مش هتقدر تسيبه لوحده.
انا عارف إنه مكانش قادر يسيب البيت اللى مرتبط معاه بكل ذكرياته و عارف إنه كان موجوع من فكرة إن بنته قررت تسافر و تسيبه و الأسوأ من كده إنها قررت بالنيابة عنه إنه ميقدرش يخلى باله من نفسه فهتقعده فى دار مسنين, و فوق كل ده إنه هيتحرم منى و إنى هتحرم منه و دى أكتر حاجة كانت واجعانى, مكانش عندى مشكلة إن ماما هتسيبنى بس انا هسيب كل اللى متعود عليه و هروح أقعد مع بابا اللى انا بشوفه مرة فى الشهر, انا عارف و متأكد إنه مش هيئذينى بس انا مكنتش جاهز لخطوة التغيير المفاجئة دى.
يوم ٢١ مايو سنة ٢٠٢٠…
كنت بزور جدو إنهارده و بابا قال إنه هيعدى عليا نروح مع بعض فتمام وصل برا دار المسنين و كلمنى فطلعتله و قاللى إننا هنعدى على حد تبع الشغل هنوصله مشوار و بعد كده هنروح.
وصلنا المكان و لقيت بنت واقفة فى آواخر العشرينات و ماسكة فى إيدها موبايل و فى إيده التانية سلسلة مربوطة فى رقبة كلب و أول ما بابا وقفلها شاورتله ناحية شنطة كبيرة من غير ما تتكلم فشالها و جه يحطها فى شنطة العربية اتزحلقت من إيده و اتهبدت فى شنطة العربية فسمعت البنت بتزعقله و بتقول "إيه يا حيوان انت مش تخلى بالك؟"
لقيت بابا بيبص فى الأرض و قالها "معلش يا ست هانم مكانش قصدى حقك عليا !"
ابتدت تتكلم من مناخيرها و قالتله "وسع كده من سكتى, انا هديك rating زفت زيك, مش كفاية إنك جاى متأخر عليا؟"
رد عليها بنفس الكسرة "العفو يا فندم بس انا جاى فى معادى."
فقالتله "غلطان و كمان بجح؟ انت متأخر دقيقتين, يلا نتحرك و مش عايزة صداع انت كل اللى مطلوب منك تبص فى موبايلك و توصلنى عند اللوكيشن اللى قدامك و بس !"
انا كنت مستغرب إزاى بابا متقبل كل الإهانات دى و ساكت بالشكل ده, انا كان نفسى أديها بالقلم على وشها و كنت مستنى بابا يرد عليها بأى حاجة و كنت حرفياً هطيح فيها بس لما هو سكت انا معرفتش اتصرف إزاى و فضلنا طول السكة ساكتين حتى بعد ما نزلت لحد ما روحنا و انا مش مستوعب الموقف و كملنا ساكتين.
بعد ما دخلنا البيت إتعشينا و وسط ما إحنا بناكل موبايله رن و قام رد و دخل البلكونة و طلع قال معلش انا هنزل هعمل مشوار سريع تبع الشغل و جاى.
نزل و انا شغلت التليفزيون و قعدت أتفرج على فيلم كان شغال.
بعد شوية سمعت صوت كلاكسات كتير و عرفت إن ده صوت عربية بابا فقمت بصيت من البلكونة لقيته بيركن و المفاجأة إنى لقيت ماما نازلة من العربية.
كنت طاير من الفرحة إنها رجعت و إننا أخيراً هنعيش كلنا مع بعض زى ما كنت بحلم من زمان و فضلت باصص عليهم و قعدت أشاورلهم بس هما مبصوليش فناديت عشان ألفت انتباههم برضه ولا الهوا, دخلوا العمارة فانا جريت عشان أوضب السفرة مكان الأكل و أوضب البهدلة اللى كنت سايبها فى الليفينج و انا بتفرج عالتليفزيون و سمعت تكة المفتاح فى الباب و أول ما الباب فتح الدنيا ضلمت و حسيت بتقل عينيا و انا بفتحها.
أدركت إن ده كان حلم و إنى غفلت و انا بتفرج عالتليفزيون, الحاجة الوحيدة الحقيقية كانت إن بابا دخل البيت بعد ما خلص شغله.
مجرد ما قفل الباب موبايله رن تانى فسمعته طراطيش كلام إن واحد صاحبه عايزه فى موضوع, مقدرتش أفهم إيه بالظبط بس انا سمعت شحاتة و هو بيسأله "حاجة ضرورى يعنى ولا ينفع تستنى لحد بكره؟" و فهمت برضه إنها مش حاجة مهمة بس شحاتة قاللى إنه هينزل ساعة و جاى و كان باين عليه إنه تعبان و تحت عينيه اسود فقولتله "ما تسيبك إنهارده و خليها لبكرة و انت فايق؟"
لقيت شحاتة وشه قلب و اتعصب جداً و قاللى انت شايفنى بتدلع؟
انا اتخضيت من رد فعله بس خلال السنين اللى فاتت كان تعاملنا مع بعض كأننا صحاب مش أب و بيمشى كلمته على إبنه فأنا كنت مستغرب عصبيته و حاولت أهديه و أفهم إيه اللى حصل عشان يتعصب بالشكل ده و حاولت أخبى مشاعرى المتلخبطة بسبب زعيقه و بسبب حلم ماما و فوق كل ده تعب جدو اللى هو أصلا مفكرش يسأل عن أخباره بس انا كنت مقدر كل ده و عارف إنه مسحول فى دماغه.
رد فعله كان مش متوقع خالص لقيته لأول مرة مد إيده عليا و قعد يضرب فيا زى المجنون و كأنى أنا السبب فى كل اللى ضاغطه و انا من كتر الصدمة قررت اسكت اليوم ده.
يوم ٤ يونيو سنة ٢٠٢٠…
إنهارده انا قررت إن كريم لازم يتكلم و يعبر عن اللى جواه, أو بالأصح انا اللى هتكلم و أقول اللى جوايا.
طبعاً إن القصة تخلص بالشكل ده فدى نهاية بايخة جداً, اللى هو انت بتحكى كل ده و تخلص إن الراجل طلق مراته و ضرب إبنه الوحيد؟
بس انا عايز أقول إن دى مش حكاية عم شحاتة, دى حكايتى انا.
انا عم شحاتة, عم شحاتة اسم على مسمى, هو طول حياته مقضيها شحاتة, كل اللى بيعمله إنه بيبذل مجهود فى المدرسة و فى الكلية عشان يشحت تقدير و يشحت نظرة فخر من أهله.
بيبذل مجهود فى شغل عشان يشحت إنجاز يرضى نفسه و يشحت فلوس يصرف بيها على نفسه.
بيبذل مجهود فى علاقات بيدفع تمنها نفسه عشان يشحت شوية اهتمام و حب ميليقوش بهو كان إيه أصلاً.
هو عمره ما قصر فى دوره و طول الوقت كان بييجى على نفسه و كان بيبقى مضغوط إنه دايماً مش شايف نفسه كفاية و ده أثر عليه إنه خلاه يخسر أكتر حاجة كان بيحبها فى حياته. خلاه يخسر وفاء, وفاء مقصرتش فى حقه و كانت وفية ليه بس هو مكانش عارف يشوف ده من كتر ما هو مركز على قد إيه هو قليل و قد إيه خسر قيمته اللى كان واخدها من وظيفته اللى هى ممكن تمثل أى حاجة بحط قيمتى فيها.
انا مش بس عم شحاتة, انا كريم كمان.
انا كريم اللى برضه اسم على مسمى, كريم اللى هو جزء من عم شحاتة, كريم اللى كريم فى مشاعره و بيدى من قلبه.
كريم اتعلم يتأقلم على أصعب الأوضاع و يلتمس الأعذار و بالعكس ممكن يخلقها للى حواليه كمان, كريم اللى فقد جزء مهم من حياته "أمه" اللى هى بتمثل الأمان, انا كمان فقدت أمانى.
انا كريم اللى خايف على شحاتة و بيحاول يطبطب عليه برغم صغره و ضعفه و كل اللى بيلاقيه منه عنف و إهانة و هو بيسكت.
مع الوقت حب كريم لشحاتة اتحول لمحاولات للتعايش معاه و بيفوتله, أحياناً بيخاف منه و أحياناً بيتجنبه لأن الغضب اللى جواه ناحية شحاتة ممكن يحرقهم هما الاتنين.
دى مش نهاية عم شحاتة, عم شحاتة ممكن يصلح الدنيا, و ممكن لأ !
المهم إن انا آسف عالقصة الحزينة بس انا بحكى عشان نفسى أبطل أشحت زى شحاتة و نفسى أبطل أبقى كريم اللى بيستسلم للوضع اللى مش عاجبه.
نلتقى فى قصة تانى أسعد من دى…

Comments
Post a Comment